حقائق معلبة

بقلم: أحمد النحاس
خلف كل شعور حقيقة مخفية أحيانًا ومخيفة أحايين كثيرة، اعتدت ألا أتتبع ما تخلفه الكلمات رغم وقعها في نفسي ورغم معاناتي الدائمة في تقصي الحقائق.
كنت مؤمنًا وبقوة أن كل ما يلفظه الإنسان يكون انعكاسًا لشخصه وبيئته ونوع التربية التي حصل عليها، لكنني وبعد عمر كامل من حسن النية أدركت أن الكلام قد يتلون من أجل المصلحة وأن الشعور قد يصاغ من أجل خدمة معينة وأن الحقائق التي تجنبت نبش قبورها آن لها أن تُبعث وتلاحق خطواتي.
قبل قليل زارني أحدهم في طيف ذكري، تذكرني كم كان ودودًا معي، يغرقني بالاهتمام والهدايا، ذات نهار وبعدما انتهى ما بيننا من عمل كشر لي عن أنيابه، حصّل ترقية وبقيت أنا أخدم الواقع وألعن الحقيقة.
إحساس غريب قادني من الماضي إلى هنا لأعيش في هذا العالم المثلج، دائمًا ما أتجاهل لأستطيع التعايش مع الأشياء المعلبة، الكلمات، الشعور، العمل، العائلة، الأصدقاء، الوطن، الحب.
حينما أتحدث مع أحدهم في مصلحة حكومية أو مؤسسة ثقافية أو متجر عمومي أو مقهى متمدنٍ، أسمع كلمات معلبة متشابهة لم أختص بها وحدي ولكل كلمة ثمنها.
تجرأت مرة وأخبرت صديقة لي أنني أحبها، لم أكن أقصد أن تتحول علاقتنا إلى مسرح رومانسي، لكنها حولتها إلى مسرح من الفوضى واتهمتني بسوء الخلق، تمنيت وقتها لو أنني قمت بتعليب شعوري.
في العمل كنت نشيطًا ومجتهدًا، أتعجب دائمًا من أمر زملائي الكسالى، على الدوام يسخرون ويضحكون وتحال إليَّ أعمالهم، بعد أشهر من الكد والتعب تم نقلي إلى مكان آخر بعيد، حل محلي كسول جديد، تساءلت وقتها ماذا لو ادخرت طاقتي وقمت بتعليبها كما يفعل الآخرون؟
في البيت لم تعد هناك عادة واحدة متبقية من العادات التي عهدتها في طفولتي، لم نعد نجتمع على طعام، لم نعد نسهر أمام التلفاز، لم يعد هناك تحايا فيما بيننا، أمست علاقاتنا معلبة تمامًا رغم أننا نحمل لقب عائلة واحدة.
أتذكر في وقت ما أنه كان لدي الكثير من الأصدقاء، كنت في حياتهم كالنحلة التي لا تكف أبدًا عن إمدادهم بالعسل وتلدغ كل من يحاول إيذائهم، لكنني وبعد إصابتي وعدم قدرتي على التحليق، تبخرت ظلالهم ودخل كل منهم علبة وأغلق على نفسه وحين نلتقي فقط أخرج لي على مَضَضٍ يده.
قديمًا كنا نرى الرئيس “الوطن” – دائمًا ما كنت أرى أن الرئيس هو الوطن – يسير في موكب كبير يمر بين الجموع يلوح بيده يمينًا ويسارًا، لم يكن يوزع شيئًا وكنا نحبه، الآن يخرج الوطن من العلبة، يقول كلامًا معلبًا، هو الآخر لا يوزع شيئًا، لكننا لم نعد نحبه.
يوم كان عمري في المنتصف تمامًا، أحبت للمرة الأولى، كل شيء كان غريبًا ومتوترًا، لا خبرة لي على الإطلاق، لكنني اعتدت أن أسترخي تمامًا بعدما أخذها الرحيل ووضعها في علبة، لأن الألم يكون مضاعفًا حينما يكون القلب مشدودًا، بعدها تركت نفسي تسير وفق الصدف علني أراها تنتظرني ذات يوم في مكان ما.
الآن وقد عرفت الحقيقة المخيفة التي تسكن وراء الأشياء والأشخاص والكلمات، لم أعد أكترث لبقاء أحد أو رحيله، ولا يهمني أمر العالم في شيء، يهمني فقط ولعي بأمر ما أتوقع حدوثه، أنتظره، أبحث عنه، لم أعرفه أو أحدد ماهيته بعد، فقط ألخصه في جملة: حياتي التي سيكون لها معنى ذات يوم.