مقهى الذكريات

بقلم: أحمد النحاس

حتى هذا الوقت لم تكن الشمس قد تعامدت من قبل على هذا المكان في قلبي، لم يكن أبدًا مجوفًا لهبوب الفزع والحنين، إلى أن أتى هذا الشعور الغريب الغير متوقع، كنت أسير بخطىً ثابتة في طرق الظلال بلا خوف ولا تردد، أتنقل بين دوائر الأفكار بحرية العصافير التي لا تعرف الخوف ولا تعلم شيئًا عن الحياة خلف القضبان، كنت وحيدًا بما يكفي لأنام ثمان ساعات أو أكثر كل يوم، لكنني لم أكن أبدًا على وفاق مع النوم، دائمًا يرهقني السواد ويأخذني الظلام لأبعاد أخرى غير التي أعيشها، خشيت دائمًا أن أعلق في واحدٍ ولا أعود إلى أن رأيتها.

تعامدت الشمس على قلبي للمرة الأولى، شعرت وقتها أنني أقف كسنبلة وحيدة وسط حقل واسع من الرماد، أخذتني نظرتها من عالم الظل الممل الرتيب إلى عالم آخر من النور المرتب البديع، استيقظت وقتها في محطة لم أتوقع أبدًا أنها ستأتي، كنت على وشك السقوط، مدت يدها البيضاء الطرية لتمسك يدي التي أرخيتها للمرة الأولى، لكنني قررت بعدها بوقت ليس بطويل ألا أشد قبضتي على شيء، كانت المسافات بيننا دائرية، الأحاديث دائرية، الأحلام دائرية، لكنني اعتدت أن لا شيء أبدًا يحدث بالطريقة التي أريدها، غابت وبقيت وحدي داخل الدائرة.

ذات بكاء، جلست أكتب رسالة تحتضن كلامي الطويل، كانت السماء حزينة، رأيتها كحقل قطن ناضج باغتته عاصفة، بدا لي وجهها شاحبًا تملأه سحابات منكوشة، غابت عنها الشمس كما غابت عني، كنت على وشك مغادرة المقهى الذي يعج دائمًا بالفوضى، المقهى الذي طالما كرهت الجلوس فيه، المقهى الممتد على شواطئ المخ بلا انقطاع، رأيتها تكنس العتمة وتمسح الغبار عن لافتة صغيرة معلقة على أحد الأعمدة مكتوب عليها “مقهى الذكريات”، طويت الرسالة وخبأت وهج الشوق في قلبي لعلها تراه، أطفأت نشوة الكتابة كعود ثقاب، ليصبح كل شيء شديد السواد وأعود إلى التيه، أحلم بنبوءات النجاة، لكنني تذكرت سريعًا أن الأحلام الدائرية والنبوءات لا تحتشد أبدًا إلا في العوالم المثالية وعالمي كئيب.

ذات نهار نسيت وتساءلت: لماذا تأخر بنا اللقاء حتى الآن؟

وأجبت على نفسي: ربما يهيئني امتداد الوقت بعيدًا عنها لشغفٍ مضاعف.

لكنه كلما اقترب الشتاء، أتاني ليلًا؛ هذا الحنين المستذئب الذي لا ينتظر أن يكون القمر بدرًا ليتغذى على قمح روحي.

الراوي الأنا يقول: حين سكن طيفها في قلبي، تشكل هذا الجنين الصغير الجميل “الحب” وبدأ ينمو كزهرة، وحين غابت كبر بما يكفي ليمزق سياج الحديقة وينهشني كوحش.الذكريات