خمس رسائل لن ترسل

بقلم/ حسن محمد

(الثانية صباحًا-يوم الأربعاء/٧ تشرين الأول(أكتوبر)/٢٠٢٠)

إلى جدي الحبيب:

كما وعدتك في الرسالة الأولى، أنني سأكتب لهما(عمي، وجدتي)، ولكن خبّرني هل وصلت إليك رسالتي؟، من المؤكد أنها لم ولن تصل إليك أبدا.

من المؤلم أن يقرأها الكثيرون وأنت صاحبها لن تقرأها أبدا، وقد طلبت في نهاية خطابي إليك أن تأتي في منامي وتعانقني، وها أنت قد جئت إليّ ولبيت طلبي، فكيف حدث ذلك؟
هل تدخل ساعي البريد في هذا الأمر أم أنه ساعي الروح؟

أشعر -وأنا أكتب لك هذه الرسالة- أنك جالس بجانبي، تنظر إلي مبتسما بوجهك البشوش ثم أسمعك تقول بصوت حنون:
-احترس -وأنت تعبر الطريق- من العربات، انظر يمينا ويسارا.
إن معالم الطريق في عينيّ اختفت، وأنوار الشوارع انطفئت، فكيف لي أن أعبر الطريق؟

اسمع صوتك تخبرني أن أكفّ عن الكتابة إليك وانتقل إلى جدتي، سأنتظرك، ليس اليوم فقط، بل كل يوم.

* * *
إلى جدتي الحبيبة:

أكتب لكِ بعدما تفرغت من رسالتي -التي لم أكملها- لجدي الحبيب، أتدرين كم كان هو يحُبُّكِ؟!
أراكِ جالسةً على مقعدكِ تسبحين، أكاد أسمع طقطقة إرتطام الحبة تلو الأخرى. وأجيب عن سؤالكِ قائلا:
-ثلاثة وثلاثون في كل مرة: الله أكبر، سبحان الله فالحمدلله.

إن المشهد لم يغب أبدا عن خاطري حينما أعبر تحت شرفة البيت أو أختلسُ نظرة من وراء عمود الإنارة، أنتِ واقفة تنظرين إليّ من بعيد، ثم تختفين لأجد الشرفة مظلمة وكئيبة، ثم مرة أخرى تظهرين فتلوحين بيدكِ إليّ وجدي بجانبك يلوح هو الآخر مبتسمًا، قائلين: مع السلامة يا بني.

أسمعكِ تناديني في أيامكِ الأخيرة ،وسأكتبها باللغة العامية الدارجة، قائلة:
-تعالَ ياحسن إما ابوسك.

فمن كنت ترينه ياجدتي، أأنا أم هو؟ من كنت تودعينه؟، فلقد ودعك منذ ثلاثة أشهر!

لم أنسَ اليوم الذي نمت فيه على أريكة جدي بعد موته بثلاث أيام حتى لا أترككِ وحدكِ، لقد صحوت مفزوعًا على صوتكِ لأراكِ واقفة عند رأسي قائلة: لمَ تنام بالخارج؟ ادخل نام بجانبي. تحدثيني كأنني هو. من كنت ترينه، أأنا أم هو؟!

* * *
إلى عمي الحبيب:

أكتب لك بعد ثلاث سنوات قد مضت وسبعة أشهر على غيابك، كيف مرت علينا الأيام مسرعة دون أن نشعر بها بدونك؟

أنت حبيبُنَا وحكيمُنَا الذي رحل. كم تمنيت أن نجتمع للحديث سويا -مثلما كنا-ولو بضع دقائق- على رائحة الزنجبيل، مازلت أتذكره جيدًا: فتارة عن الدين وعلم النفس والفلسفة وتارة عن السياسة. لا تقلق عن الأخرى؛ فلم أعد أتحدث عنها. فالحديث معك -عن كل شيء له متعة- لا يعوضه أحد غيرك.

إنك فقيدُنَا الأول، فقيد الذكريات، المرح، اللعب والضحكات..
دعني أذكرك بشيء أنت بكل تأكيد لم تنسَه أبدًا.

صوت طفلة صغيرة تصيح: وأنا ياخالو ثروت.
«سارة شوية وبعدين أنتِ يا إسراء»، تقول أنت.
صوت أرجل تهتز كالأرجوحة يمينا فيسارا أعلى فأسفل، صوت يصيح «هيييه»،وهو صوتك. فتنزل سارة لاهثة من التعب وتطلع إسراء فارحة، فتضع ساقيها اليمنى على القدم المقابلة (اليسرى) واليسرى على القدم المقابلة (اليمنى)، على الجانب الآخر يقف طفلٌ يرمقهم في شوق ومرح مرددًا في لهفة: «وأنا كمان يا عمو ثروت»«

لقد تم ترتيب الأدوار لركوب الأرجوحة على حسب العمر، الأكبر فالأصغر -لم يكن الفارق بينهم كبيرا سوى شهور قلائل-؛ ولكن سارة فإسراء فحسن.

هذه لحظة من ضمن اللحظات الكثيرة التي تذكرتها الآن، ليست هذه أول رسالة ولم تكن الأخيرة سأكتب لك كثيرا، ونستعيد ذكرياتنا سويًا.
* * *
-سلام عليكما، عمي، جدتي وجدي سأنتظركما. سأكتب لكما طالما حييت.

* * *
إلى جسدي:

أعتذر لك كثيرا عن ما أحدثته لك من ألم في كتابة الثلاث رسائل خاصة قلبي وعقلي. لقد اتعبتكما معي، سأترك لكما قسطا من الراحة حتى نستطيع في المرة القادمة أن نكتب من جديد.

* * *
إلي قلمي:

أريدك أن أخبرك بشيء مهم، إن الحبر الذي تحمله بداخلك ليس السبب الأول فيما قد أكتبه وما سوف أكتبه، إن المشاعر التي بداخلي سبب في ذلك؛ فهي حبرك وعقلي هو مُلهمك.