(شَبحا الحُبِّ)

بقلم/ حسن محمد

وصلا إلى حديقة بعد المشي الطويل المرهِق بشوارع وحواري القاهرة القديمة المزدحمة بالعابرين وأصوات الباعة الجائلين- بعد التسكع الصامت المتأمل أو الصامت الشارد حينا، أو الثرثار الأبله بالحب حينا، جلسا فأسندا ظهريهما على جانبي الشجرة التي يمتد فرعها إلى عَنان السماء، هكذا خُيل إليهما. ناظرين إلى سِرْبِّ حمام يطوف، ناصتين إلى هدير رفرفة عصافير تزقزق.
نظرات العشاق ليست مثل نظرة عجوز يتعكّز على صوْلجانه الخشبي العتيق، يلوِّح بعكازه؛ ليبعث لحظة جميلة جار عليها الزمان، توارت خلف ذاكرته الكهولة المتعبة. ما مرت دقيقة على متابعة مشدهما الجمالي اللطيف، حتى اقتربا فالتصقا، فرنا إليها العصفور العاشق المغرد يسأل:

-تمني شيئًا الآن عصفورتي..
فأغمضت عينيها تفكر ثم قالت:
-أريد أن أدفن بجانبك يا عزيزي..
فعقّب معاتبا:
-كفى اللهُ الشر عنكِ عزيزتي.. فالحياةُ في بُعدكِ لا تُطاق، ما بالكِ وكيف سيكون حالي تجاه الموت من بَعدكِ؟
-حبيبي، لا تخَف. إني أتمنى العيش معك في كل لحظة، أن أكون بجانبك في الحياة والموت..
(صمتا..)

«وكيف يتحقق ذلك؟»
يعرف أن طلبها مستحيل، فلو تزوجا لضاع الحب ضاع على أعتاب العش الزوجي الملول، ولجاءت على قبره تقف تتباكى ثم تلعن اليوم الذي رآته وعرفته فيه.

قطعت حبل أفكاره المريض قائلة:
-فيما تفكر؟
-هل لديكِ مِلْقَط؟
سؤال غريب، لكن الفتيات تحملن تلك الأشياء لا شك، مما دفعها إلى السؤال بتعجب:
-ماذا تريد منه؟!
-سترين..

أخرجته من حقيبتها، فأخذه وشرع ينحت راسما على ساق الشجرة العريض غصنا مثل الغصن الذي يعلوهما. يتدلى منه أرجوحة، تحتها رسم قبرين، وبينهما يتطاير شبحان، هو وهي: هي جالسة وهو يحلق واقفا خلفها يدفعها؛ مشهد سريالي رومانسي عجيب بحق، لكنه أعجبها. لدرجة أنها قامت من مجلسها وعيناها تنظران إلى الغصن تشعان خيالا ممزوجا بالتمني تتحدثان:

«ياه لو كان هنالك أرجوحة تتدلى من الشجرة الآن!»

رجعت تنظر وهو يكتب تحت الرسمة بخط صغير:

«هنا جلس عاشقان يحلمان بالحياة معا، فبُني قبران، لعل بعد الموت توجد حياة أخرى، تجمعهما فتلتقي الروح وتمرح.
نعم، ربما حياة الخيال فيها أشباح..
لكن على كل نحن معا.. وهذا يكفي..»