قانون جريشام…ليس مجرد قانون اقتصادي..استمتع!

بقلم الدكتور رضا عبدالسلام استاذ القانون بجامعة المنصورة محافظ الشرقية الأسبق

السير توماس جريشام هو اقتصادي، عمل مستشارا للملكة فيكتوريا ملكة بريطانيا العظمى..وقد مرت بريطانيا بسنين سمان وسنين عجاف…خلال السنين السمان للمملكة البريطانية، كان يتم اصدار الجنيه الاسترليني من الذهب الخالص وليكن جرام ذهب عيار ٢٤!!

ولكن عندما مال الزمن، ودخلت بريطانيا مرحلة السنين العجاف، لجأت الحكومة البريطانية لإصدار الجنيه الجديد من الفضة (المعدن الرديء)، وصار الناس في السوق بين أيديهم الجنيه الفضة وليكن ١٠ جرام فضة يساوي الجنيه الذهب (جرام ذهب)!

ولكن بمرور الوقت، اختفى الجنيه الذهب من السوق، ولم يسيطر ويبقى في السوق إلا الجنيه الفضة، ومن هنا وضع جريشام قانونه “المعدن الرديء يطرد المعدن الجيد من السوق”!! خاصة وأن الجنيه الذهب مقوم بأقل من قيمته كمعدن في حين وضع معه الفضة في ذات المستوى…فمن سيسود ومن سيختفي؟!

ولو فكرنا جيدا، وأمعنا النظر والتفكير، سنجد أن هذا القانون الذي قال به جريشام (الرديء يطرد الجيد من السوق او المشهد) قابل للتطبيق على كل مجال، والكثير من الكتابات الأجنبية تحدثت عن هذا المنطق.

أنظر لأي بلد أو مناخ او مجتمع عندما تسوء أوضاعه ويختل ميزانه، من الذي يسود؟! الجيد أم الرديء؟!
البلد عندما يكون في أفضل حالاته لن يتقدم المشهد فيه إلا الجيد المبدع الجدير، والعكس صحيح في حالة التردي وسوء الأوضاع، حيث لن يسود ويتصدر المشهد إلا الرديء…فالرديء يطرد الجيد من السوق!!!

خذ مثالين او ثلاثة لندلل بهم على الفكرة:

في الإعلام، قارن بين إعلامي التليفزيون المصري في عصوره الزاهرة، واعلام السبوبة…هل من يتصدرون المشهد الإعلامي هم الأجود والأفضل؟! وأين الاعلاميون الأكفاء؟! اختفوا من المشهد تقريبا، والموجود الجيد منهم لا يحظى بمنتجه الاعلامي النظيف بذات الاهتمام الذي يحظى به الرديء، فلا يمكن أن يجمعهما مشهد واحد، وحتما الانتصار للرديء!

في الفن: قارن بين نموذج كممثل مثل توفيق عبد الحميد، الذي أمتعنا بفنه ورهافة حسه، هل تتذكرون مسلسل حديث الصباح والمساء؟! هذا الرجل يفكر حاليا في تحويل سيارته إلى تاكسي ليعيش، وفي المقابل من الذي يتصدر المشهد؟! إنه نمبر وان نجم الشباك الذي هدم أجيال!! ألم يطرد الرديء الجيد من السوق؟!! الجيد اختفى ولازم البيت وبيحث عن عمل آخر في حين يتصدر المشهد “الرديء”!

مثال أخير من عالم السياسة، عندما تكون البيئة السياسية جيدة وقوية ومنافسة، لن يسود ويتصدر المشهد السياسي إلا الجيدون والأكفاء…والعكس تماما عندما يكون المناخ السياسي معتل، في هذه الحالة يختفي الجيدون والأكفاء ولن يتصدر المشهد أو يسود إلا المتسلقون والنفعيون…الخ.

فلا يمكن للأكفاء أصحاب القضايا الحقيقية مجاراتهم أو استخدام أساليبهم، ولهذا يؤثرون الانسحاب، ليخلوا المشهد لمن يستخدمون كل الوسائل لبلوغ أهدافهم!!
وهنا أتذكر المثل المصري “ما يقعد على الطوالة غير أشر البقر” يعني احنا بأمثالنا الواقعية سبقنا جريشام والغرب…دمتم بألف خير.

%d مدونون معجبون بهذه: